Skip links

عشرة أيام في بلاد الشمس -الجزء الأول

بقلم: د.حياة الله عتيد

عشرة أيام قضيتها في اليابان وكأنها يوم واحد… كانت لدي أهداف استراتيجية من وراء رحلتي إلى اليابان بلد الشمس المشرقة أو بلد التكنولوجيا المتطورة كما يقال، تركّز الهدف الأول على التعرف عن قرب علی الفلسفة اليابانية المعروفة بـ (كايزن) والتي تعنى التغيير البسيط المستمر للأفضل أو الالتزام بالتطوير والتحسين المستمر وصولا إلى التغيير الأساسي الجذري (كاي ككو)، حيث سبق وأن قمت بتدريب عدد كبير من المتدربين على هذه الفلسفة في السعودية والبحرين والأردن وباكستان وأفغانستان وغيرها من الدول، وبقيت لدي أمنية أن أزور موطن الكايزن لأتعرف إليها بشكل عملي من واقع الحياة والمعايشة والممارسة.
رأيت اليابان.. وتمثل لي الكايزن في كل شيء .. بدءا من المطار.. ومرورا بالطرقات.. ونهاية بالتعامل الإنساني المليء من الحب والاحترام واللطافة والود والترحيب المستمر الذي لاقيته خلال سفري حيث أنساني شيئا اسمه الاغتراب أو السفر!!

كاي +  زن

تغيير +  الأحسن ، الأفضل

 كايزن = كلمة يابانية تعني التحسين المستمر

الكايزن.. الذي يجني اليابانيون ثماره اليانعة الآن وجعلهم روادا على مستوى العالم كانت فكرة وفلسفة ابتكرها تاييشي أوهونو (Taiichi Ohno) ويقال أن امبراطور اليابان حث على تطبيقها في الشعب حيث أمر بدفع مكافأة قدرها عشرة دولارات مقابل كل فكرة ومقترح جديد يقدمه أحد المواطنين لتطوير البلد والإنسان!! ولا غرو فإن الفكرة العظيمة تحتاج إلى أن يتبناها شخص عظيم.
من مطار الدوحة الدولي وعبر طيران القطرية للطيران تحركت الطائرة وبعد سفر دام حوالى 12 ساعة حان موعد الوصول إلى مطار (ناريتا) في اليابان بطوكيو يوم 11 نوفمبر 2014م.
استقبلنا الدكتور (موسى عمر) مستشار السفير السعودي والمدير التنفيذي للمركز الإسلامي في اليابان، وكانت أولى ملاحظاتي وانطباعاتي عن هذا الشعب أننا عندما وضعنا حقائبنا على عربة الأمتعة، وجاء بها مرافقي في السفر إلى سيارة الدكتور (موسى) التي ستأخذنا إلى مقر إقامتنا نسي عربة الأمتعة بعد أن أنزل الأغراض منها في موقف السيارات، فقلت له: لو سمحت ارجع العربة إلى مكانها، وهنا عقب الدكتور (موسى) بابتسامة تعلو وجهه قائلا: إن ترك العربة هكذا يعدّ مخالفة ذوقية في اليابان.!

والدكتور (موسى عمر) هو المدير التنفيذي للمركز الياباني، عمل في وقت سابق سفيرا لجمهورية السودان ، ولاحظت فيه دماثة الخلق وصفاء السريرة ،ونقاء النفس، وحب الآخرين وإيثارهم على نفسه، وكان ممن حضر دورتي لتدريب المدربين، وأصبح اليوم مدربا معتمدا دولياً، وهو رجل مهذب ومحترم ومتواضع استقبلنا استقبالا كريماً رغم انشغالاته إلا أنه كان دائم الحفاوة والاهتمام بنا، فكان يأخذنا إلى مطاعم الحلال ولا يدخر وسعاً في صحبتنا إلى كثير من الأماكن، حتى عندما كنا نسافر إلى المدن المختلفة يحجز لنا بنفسه في المحطات، ولا ينصرف حتى يودعنا ويحرك يده إلينا بقوله: مع السلامة وفي رعاية الله.

اليابانيون والنظافة:
اليابانيون شعب يعشق النظافة بمعنى الكلمة ففي الصباح الباكر خرجت لجامع طوكيو لأداء صلاة الفجر وفي طريق العودة من المسجد وجدت نساء كثيرات عجائز ينظفن الشوارع والساحات أمام منازلهن، ومعظم البيوت اليابانية تجد أمامها زهورا وورودا وخضرة، وهم يهتمون بالنظافة وحماية البيئة لدرجة أننا تفاجأنا حينما علمنا أنه لا توجد (إدارة خاصة) في اليابان تُنظف الشوارع وإنما هي عملية ذاتية من الناس لأنهم يحبون النظافة ويرغبون في نظافة بيوتهم وشوارعهم و أمام منازلهم.

بيوت اليابانيين صغيرة مكونة إما من الخشب أو الحديد، وخلال فترة إقامتنا كنا نشعر بموجات الزلازل شبه يوميا، أما الأمطار فكانت تنزل يوما بعد يوم تقريبا.

تعتبر المظلات الشمسية من مقومات الحياة الأساسية لليابانيين، ولديهم نظام خاص بالمظلات، فكل بيت وكل مكان تجد فيه ركنا خاصا بالمظلات يضعونها فيه، وحتى الأماكن العامة كمحطات القطار وغيرها تجد فيها المظلات لمن يريد استخدامها، وإعادتها إلى مكانها بعد الاستفادة منها.

من عادات اليابانيين الجميلة أنك إذا دخلت منزل أحدهم فإنك لا تدخله بحذائك وإنما تخلعه بالخارج وتلبس أحذيتهم الخاصة بهم، وتدخل المكان حتى المكاتب تخلع فيها حذاءك وتتركه بالخارج وتلبس الحذاء الخاص بالمكتب أو الشركة أو المدرسة كجزء من التركيز على النظافة.

لا توجد داخل منازل اليابانيين مفروشات كثيرة ولا أسرة نوم فخمة و أطقم أثاث، فهم ينامون على الفرش البسيطة على الأرض ليلا، وحينما يستيقظون يأخذونه إلى مكان خاص كالدولاب ويضعونه فيه، ومعظم اليابانيين ينامون على الأرض إلا البعض الذين تأثروا بثقافة أوروبا وكذلك المترفين منهم، لكن الغالبية يفترشون الأرض.

ومن النظافة كذلك أنهم يستحمون مرتين في اليوم وخاصة قبل النوم يأخذون الماء الدافئ إلى الحوض الصغير ويبدأ الوالد ثم الأولاد ثم الأم الاغتسال في نفس الماء من أجل عدم استهلاك كمية كبيرة من الماء، ولن تجد يابانيا ينام بدون استحمام، وكذلك حينما يذهبون للعمل يستحمون استحماماً خفيفاً لأجل الحفاظ على الوقت حيث يذهبون للعمل.

وكانت لديهم عادة قديمة وهي أن الإنسان إذا احتاج لاستخدام دورة المياه ما عليه إلا أن يطرق باب أي بيت ليقضي حاجته ويخرج ولايشعر بأي حرج أو يتعرض للضرر، وأهل البيت يرحبون بهذا الأمر.

قلت مرة لمرافقي : أريد أن أرى بعض القمامة أو قطعة من مخلفات أي شيء في الطريق ملقاة هنا أو هناك، فبحثت كثيراً ولكن دون جدوى، وبعد أيام وجدت عظمة دجاج صغيرة جداً، وحوالي ربع قشرة برتقال ملقاة على جانب آخر من الطريق، لفت نظري إليها صاحبي باستغراب وكأننا وجدنا شيئا مفقودا.

في مرة من المرات خرجت من المطعم، ومعي عود تخليل الأسنان فلم أجد مكاناً أرميه فيه إلا جيبي، وفعلا وضعته في جيبي، وأصابني مرة صداع، فأخذت الدواء وتناولت بعض الحبوب ولم أجد مكاناً أرمي فيه عبوة بلاستيكية للدواء، فوضعتها أيضاً في جيبي .!

اليابانيون والاعتناء بالذوق:
مما لاحظته في اليابانيين أنهم يضعون جوالاتهم على وضعية الصامت والاهتزاز باستمرار، فلا تكاد تسمع نغماتها وأصواتها، وعلى مدى هذه الأيام العشرة لم أسمع رنة جوال لا بالاتصال ولا بالرسالة فكلّ الأجهزة على الصامت وحينما يسمع صوت الجوال فإن هذه تعدّ مخالفة ذوقية كبيرة.

ويذهب الأطفال للمدرسة في سن 6 سنوات لا للدراسة وإنما لتعلم السلوك والأخلاق، ولديهم معلمين ومعلمات يعلمونهم كيف يمشون، كيف يمرون من الإشارات؟ كيف يتعاملون مع الأصدقاء ؟ كيف يتصرفون خلال بعض المواقف التي يتعرضون لها في حياتهم.
وقد شاهدت بعض هؤلاء الأطفال خارج مدارسهم في الأماكن العامة يُدرَبون على هذه الأشياء بشكل عملي من قبل مدرسيهم، تذكرت وأنا أشاهد هذا التعامل الراقي مع الأطفال المقولة التي نرددها في التنمية البشرية: لاعبه سبعاً، من الولادة إلى 7 سنوات، توصيل الجانب المعرفي بطريقة الترفيه فيلعب الطفل بلا ضغوط ويتعلم من خلال اللعب ، فيكون التركيز في هذه الفترة على الجانب الترفيهي، ثم علمه سبعا،ً من سبع سنوات إلى 14 تكون فترة التعليم، ثم صاحبه سبعاً أي من 14 إلى 21 سنة اجعله لك صاحبا، وهذه الخطوات استناداً إلى أثر وحكمة مأثورة تقول : “لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وآخه سبعاً”

ولاشك أنهم بهذا السلوك الناجح استطاعوا أن يغرسوا السلوكيات الذوقية المطلوبة في الأطفال منذ الصغر فترى الطفل يتعامل معك بذوق ولباقة كأنه إنسان كبير في السن والعمر.
وللحديث بقية ….

اترك تعليق

Contact Us - تواصل معنا