Skip links

عشرة أيام في بلاد الشمس -الجزء الثاني

بقلم: د.حياة الله عتيد

نظرتي لليابان:

إن نظرتي لليابان البلد المتألق في التعليم والتفكير والصناعة والاقتصاد تتلخص في كلمتين وهما الكثافة والتميّز، فتجد هناك كثافة وتميزا في العمل وفي السكان والحركة، وفي النجاحات والإنجازات، واحدا تلو الآخر حيث إن اليابانيين لايعرفون شيئا اسمه الفشل والإخفاق.

ويصل طيب المعاملة وقيم الإيجابية عند اليابانيين لدرجة أنك عندما تريد أن تذهب لمكان معين، فإنك ستجد من يدلك ويرشدك إليه، وإذا سألت رجلاً أو امرأة عن شيء لاتعرفه، فإنه يجيبك بكل اهتمام وحفاوة مع تواضع رهيب، وإذا سألت مسؤولا كبيراً تجد نفس الانطباع، لأنهم تعوّدا على هذه القيم حتى أصبحت جزءا من حياتهم، وقد سألت رجلاً في القطار عن الطريق المؤدي لسفارة بلادي وقلت له: أريد الذهاب لهذا العنوان، فقال: حسنا، ستذهب معي وركبنا القطار الثاني، ودلني على العنوان وأوقف لي سيارة الأجرة، وقال للسائق أوصله لمكان كذا وكذا، ولما سألته عن نفسه قال لي: إنه رئيس بلدية طوكيو.

وازداد إعجابي بتعامل اليابانيين مع الآخرين عندما عرفت أنك إذا سألت أحدهم عن عنوان لا يعرفه، فإنه لا ينصرف عنك حتى يأخذك إلى شخص آخر يعرف العنوان، لقد لمست أن 99.9% من الشعب الياباني مثقفون، وهم على أعلى درجة من الثقافة والمعرفة يستخدمون التقنية الحديثة في كل ما يعود عليهم بالنفع في حياتهم اليومية.

لم أسمع في اليابان:

خلال عشرة أيام التي عشتها في اليابان لم أسمع صوتاً لمنبه سيارة، حتى ظننت أن السيارات قد تكون خالية من المنبه الصوتي، اللهم إلا مرة واحدة حيث سمعت المنبه من إحدى السيارات وربما لم يكن الياباني سببا فيه، حيث كنت متجها على الطريق إلى جامع طوكيو لإلقاء خطبة الجمعة، وعرفت أنه تم تغيير مكان الخطبة إلى مسجد المعهد العربي، وقيل لي : إن الناس ينتظرونك هناك، وكان معي مرافق عربي يتحدث في الطريق مع صاحب سيارة الأجرة الذي يوصلنا إلى المسجد ويحثه على الإسراع باستمرار.. كما هو المعروف في مجتمعاتنا، فاضطرب الرجل، ولما اقتربنا من المسجد كانت هناك سيدة عربية محجبة تمشي في وسط الشارع، ومع هذا الاضطراب اضطر السائق ليستخدم منبه السيارة، وكان السبب في هذا النادر مسلم من داخل السيارة، ومسلمة من خارجها.

ولدى اليابانيين أصول وقواعد معروفة ومهمة في مجتمعهم، منها أن سيارة الأجرة لايقودها إلا شخص وصل عمره إلى 45 سنة فأعلى وذلك حتى يكون ناضجا من ناحية العقل ومدركا لمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الآخرين والركاب.

ومن هذه القواعد أنك عندما تختلط بهم في الأماكن العامة أوفي محطات الباصات والقطارات أنك تجد الجميع يقرؤون بل وينهمون الكتب والجرائد، وهذه الظاهرة منتشرة بشكل غير طبيعي فـ 99% يقرؤون.

واليابانيون لا يضيعون أوقاتهم فلا تجد منهم من يجلس عبثاً أو يقول لآخرين :هيا بنا نقتل الوقت ما وارءنا شيء، فالكل في عمل وشغل واهتمام وانتظام، فلا تجد إنسانا عاطلا ولامن يسمى شباب الشوارع، وقد رأيت في المترو نساء يحملن أطفالاً، الولد يرضع ويتلهى وأمه تقرأ، وعلمت أن المترو منذ 50 سنة لم يحدث فيه حادث، فهو دقيق جداً في مواعيده وأوقاته بالدقيقة والثانية، وكذلك الباصات في دقة متناهية من ناحية المواعيد ، ولا يوجد زحمة في الشوارع وأثناء الصعود للباصات تجد النظام والاحترام، فلا يتقدم أحدهم على الأخر بحجة أنه مستعجل أووراءه موعد، و في السلالم الكهربائية تجد الناس واقفون على اليسار ليتركوا مسافة المرور للمستعجلين في الطرف اليمين و من باب التنظيم والترتيب نجد هناك لافتة كبيرة كتب فيها الشوارع المزدحمة والغير مزدحمة، فتسلك منها ما يتناسب معك، والدراجات هناك مرقمة كالسيارات تماماً ولها مخالفات.

ركب رفيقي دراجة فاستوقفته الشرطة واسمها (كوبان) وطلبوا منه إحضار صاحب الدراجة، ويقال أن من بين كل 100 حالة مخالفة تمسك الشرطة اليابانية بـ 97% منها بعكس كثير من البلدان فالنسبة أقل من ذلك، فمن يفعل مخالفة يسلم نفسه للشرطة ، بعكس ما نجد في دول أخرى حيث يهرب الجاني من الشرطة، لأن الشرطة اليابانية تقدم الدعم والمساعدة.

مظاهر من اليابان:

وهناك احترام للجيران بشكل مبهر وأذكر أن جيراننا جاؤوا يرحبون بنا، وجدنا منهم ذوقاً عالياً وحفاوةً بالغة، وفي رحلتنا بالطائرة، جاءت المضيفة وهي يابانية بعصير تفاح وارتطم منها ووقع شيئ منها على ملابسي، فإذا بها تعتذر بشدة حتى بكت من الموقف، فخففت من روعها وأخبرتها بأن ذلك أمر عادي فلدي ملابس أخرى أرتديها.

وأكثر ما كنت أعاني منه في اليابان ندرة المطاعم الحلال، وكان هناك مطعم مصري قريب لنا يديره مصري وزوجته اليابانية، ومطعم بوفيه باكستاني كان عليهما زحام كبير دائما، وفي المركز الإسلامي بطوكيو كان هناك مصري مسلم تطبخ لنا زوجته الفاضلة بعض طعامنا، وفي اليابان غلاء فاحش، والبرتقال والموز يباع بالعدد ، فالتفاحة الواحدة بـ 200ين والموزة الواحدة بـ 150 ين ، وخيارة واحدة 120 ين، فالغلاء فاحش، ولا تجد في الطرقات والشوارع حفرة أو مطباً يعوق السير، وسلوك السيارات مدهش فلو كانت هناك زحمة قد تسير السيارة إلى 20 كم في نفس الخط، ولا يتقدم أحد على آخر من أية جهة حتى يدخل وسط السيارات ، ومن فعل ذلك يعتبر كأنه ارتكب كبيرة وينظر إليه الجميع نظرة احتقار.

وصناديق القمامة في اليابان منوعة ومخصصة بحيث تجد صندوق الورق لحاله والطعام لحاله والبلاستيك لحاله، حيث إنهم يستفيدون من إعادة تدويرها. و من العجيب أنهم يضعون أشياء زائده منهم بقرب الزبالة فلعلها يستفاد منها وجدنا مجموعة من الكراة (كرة) الصغيرة في بلاستيك.

اليابانيون يحبون الإسلام كثيراً ، وفي القطار من طوكيو إلى مدينة (ناغويا) كانت معنا امرأة تحدثنا معها عن الإسلام ، وعلمناها قول لا إله الا الله، ووعدتنا أن تزور المركز الإسلامي في طوكيو، وأن تسلم وتقرأ عن الإسلام.

ومعظم اليابانيون يتبعون الديانة البوذية، وهناك ديانة الشنتو، ولديهم مقابر غريبة وعجيبة، وهم يصرفون مبالغ كبيرة جداً على الموتى لديهم، فالصلاة على الميت تكون حسب المبلغ المقدم فلو دفعت أسرة الميت نقوداً كثيرة صليت عليه صلاة طويلة، ولو قل المال المدفوع كانت الصلاة قصيرة، وبعد ذلك تحرق جثة الإنسان، وتشتري العائلة الواحدة قبراً واحداً، وقليل من الناس من يستخدم السيارات الخاصة، فالجميع يستخدمون القطارات والدراجات، حتى أن بعض المسئولين يستخدمون الدراجات ، وفي كل الطرقات هناك مكان خاص للمكفوفين والمعاقين يسيرون بها، والمعاق لديهم يعمل وهم يساعدونه، وقد سألت على باب إحدى الشركات أحد المعاقين عن الجهة التي نريدها، فدخل وأخرج لنا مدير شركته، وطبع لنا خريطة وأرشدنا إلى الوجهة التي نريدها، والرياضة شيء أساسي في اليابان، وهناك إشارات مرور يتحكم فيها المارة لو أردت أن تعبر الشارع وتوقف السيارات تضغط على زر موجود بجانب الطريق فتضاء إشارة حمراء تقف عندها السيارات ، وهناك إشارات لا تستطيع التحكم بها، لكونها في الشوارع الرئيسية، واللافتات واللوحات الإرشادية كبيرة ومتوفرة بكثرة في اليابان، و موجودة حتى في الإسفلت تقول لك: توجه –انتبه ، واضطررنا لشراء كاميرا فبحثنا في كل أسواق اليابان فلم نجد بضاعة يابانية إلا في سوق أخبرنا عنه وهو (بيك كاميرا) أكبر سوق في طوكيو، فوجدنا بضاعات من الصين وماليزيا وكوريا ، والبضاعة اليابانية لا توجد بالداخل فهم يصنعونها للخارج فقط .

في جمعية مسلمي اليابان:

زرت جمعية مسلمي اليابان والتقينا بـ (أمين توكوماسي)، و(خالد محمد هكشي) ، و(يحيى كنتو) ، وجمعيتهم أكبر جمعية في اليابان و(هكوماسي) درس في الأزهر الشريف ، وخالد محمد هكشي تخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ومعهم فريق يعمل معهم، وهي الجمعية اليابانية الوحيدة التي يشرف عليها يابانيون، ومعهم مجموعة من المعاونين، حدثونا عن اليابان ، وبينوا لنا بعض ما يقومون به من الأنشطة، فهم مخولون بمنح عقود النكاح ، ويقدمون بعض الدروس والمحاضرات ، وجهودهم كانت طيبة وعظيمة، ويمنحون شهادات للغذاء الحلال، لأن المسلمين يعانون من البحث عن الطعام الحلال ، كما تعبنا نحن في البحث عنه، وقد خرجنا في رحلة ترفيهية إلى منطقة (هاكوني) ، بحثنا كثيرا عن طعام حلال، و دخلنا أحد المطاعم وطلبنا سمكاً وهم يسلقونه ولا يشوونه، وسألت مرافقي بأي زيت يطبخونه فقال لي: بزيت الخنزير، فخرجنا ولم نأكل ، واعتذرنا لصاحب المطعم ، ولم نجد شيئاً نأكله وأخيراً لم يكن أمامنا إلا أن نشتري فاكهة ، وحتى الخبز كنا نتحرج منه لأنهم .يستخدمون فيه زيت الخنزير

واليابانيون يعبدون 3 آلهة، الأول البوذي أو شنتو كل حسب عقيدته، الثاني هو الإمبراطور الثالث هو المشتري في السوق فهذا إله عندهم لأن رزقهم يأتي منه فهو إله يحيونه باحترام وانحناء وهم يدربون على هذا الشيء أن هذا إلهك هكذا اعتادوا، ولا يوجد هناك شيء اسمه عيب وكل المحلات مراقبة بكاميرات والشوارع كذلك ، وكل المحلات بدون استثناء لديها موقع إلكتروني حتى أصغر المحلات يضع أسعار البضائع والمبيعات على موقعه الالكتروني، ودخلت مكان المساج لأتعرف على أسعارهم وكان أغلبهن نساء، فطلبت رجلاً فجاء وقلت له كم السعر؟ فدخل الموقع الإلكتروني وتأكد وقال 3000 ين هي قيمة نصف ساعة لأنه ليس لديك تأمين.

:طبيعة العمل الإسلامي

قدمت خمسة دورات تدريبية لليابانيين وغيرهم من المقيمين ، ومنها دورة تدريب المدربين
Training Of Trainers
في مدينة طوكيو و حضرها سبعة دعاة من المراكز الدعوية العديدة من مدن أخرى في اليابان، حتى يقوم كل منهم بتدريب الدعاة في مدينته، ودورة عن توظيف القدرة والحماسة في الإنسان، ودورة في الاعتناء بالجانب الروحي في حياة المسلم بعنوان أهمية الجانب الروحي في حياة المسلم، وأسسنا بحمد الله عملا تدريبياً مؤسسياً في اليابان، وسيتحرك الدعاة في ضوء ما درسوا وتدربوا عليه إلى الدعوة بحكمة وبصيرة و فطنة.

والمسلمون هناك يقفون وراء كل نشاط إسلامي ويتطوعون للقيام بكثير من البرامج الإسلامية التي تسعى لنشر الإسلام في اليابان فهم يدفعون من أموالهم، حتى العمال يدفعون بسخاء كبير ويشعر الجميع أن هناك رسالة والتزام يجب أن يؤديه، وهناك تاجر باكستاني اسمه (عبد الوهاب قرشي) بنى وحده مسجدين أحدهما كبير في مدينة (جيفو) وآخر في (ناغويا) وهذا الرجل في قصته عبرة فقد كان عاملاً بسيطاً يعمل في السيارات وفتح الله عليه حيث كان يبيع سيارات مستخدمة وتزوج من امرأة يابانية، وهو رجل كريم ودائماً ما يكون في مسجديه طعام للمصلين والضيوف ، وله أربع أبناء كلهم في خدمة القرآن والمساجد، وله شركة باسم مهران معروفة بعملها في السيارات المستخدمة، وتصدرها لشبه القارة الهندية عموما وباكستان على وجه الخصوص وعلى شاكلته الكثيرين من التجار الباكستانيين مشغولون بالدعوة الإسلامية، وغيرهم من العمال رغم إمكاناتهم البسيطة يستطيعون العمل في الدعوة بما توفر لديهم ، وهم يعملون في التجارة ويأتي لهم العائد ولديهم عمل دعوي ، وفي اليابان أكثر من مائتين مسجد ومصلى تجد في داخلها احترافا من حيث النظافة والعناية، والمسجد عبارة عن مركز إسلامي به فصول دراسية للأولاد والبنات وبه دروس ومحاضرات وحركة جيدة ، والشعب بصورة عامة شعب مادي، والشعب الياباني فيه رغبة داخلية قوية، وحينما يكون للإنسان رغبة في الداخل ينجح ، فهم يعملون وفق رغبتهم ، فأحدهم يكب على عمله ويعتكف عليه ولا يتشتت ولديهم تركيز، وليس لديهم سن تقاعد في حياتهم، فالتقاعد الحكومي من 65 لكنهم يذهبون ويعملون فراحتهم في العمل والانجاز ، وهم ماديون ويقبل بعضهم على العمل التطوعي حينما يقتنع بأنه يُجدي ويوصلهم لغاية يرغبونها، فالعمل لديهم فطرة ، وهناك مقبرة للمسلمين وهي وقف اشتراه جلالة المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله، بعيداً عن طوكيو والدفن فيها شرعي على خلاف الطقوس اليابانية المعروفة في الموت والوفاة ، والبيوت إما من حديد قوي جداً وإما من خشب وهو مجهز على أنه قابل للاهتزاز لكثرة حدوث الزلزال كما أسلفت.

وتقام في المركز الإسلامي يومي السبت والأحد بعض الأنشطة الدينية والثقافية منها تعليم الخط العربي واللغة العربية وهم يأخذون الإسلام عن طريق اللغة العربية، وهي مدخل جيد للدعوة إلى الله تعالى ، والمركز نفسه مع جمعية مسلمي اليابان يشرفان على المقبرة ، والمركز الإسلامي في اليابان له جهود كبيرة ويرأسه الدكتور (صالح السامرائي) الذي يعمل في الدعوة باليابان منذ 56 عاماً ، وللمركز مدرسة دولية ومقر رئيسي لكنهم بحاجة إلى الدعم لإنشاء وقف خيري يصرف ريعه على تشغيل المدرسة وأمور الدعوة بشكل عام.

التقيت بالدكتور (محمد عبد الرحمن صديقي) رئيس مركز المسلمين الدولي في اليابان وهو من أعضاء ومؤسسي المركز الإسلامي في اليابان، ورجل متواضع وصاحب خلق وعملي ولديه همة كبيرة ، وحينما علم بوصولي أبدى عتباً شديداً لأنه لم يتمكن من الإعداد الجدي وأخذ الترتيب اللازم للاستفادة من زيارتي بشكل أفضل، وعمل مزيد من الدورات التدريبية واللقاءات الدعوية والترتيبات وأكثر فعالية وهو رجل متحمس رغم كبر سنه ، سعدت بمعرفته والحديث إليه ، كما أنه كريم جداً.. فقد أحضر لنا هدية (كاكا – أملوك) وهي عبارة عن أنواع من الفاكهة الطيبة يكثر زرعها في اليابان.

ومن أعجب الشخصيات التي التقينا بها هي ، السيدة (روضة) وهي انجليزية، عمرها فوق 70 عاماً تعمل مستشارة أسرية، أسلمت على يد الشيخ نعمة الله التركي قبل 17 سنة ، وكانت قبل هدايتها راقصة معروفة وحضرت لي دورة تدريبية باسم وظف قواك ، وتأثرت منها كثيراً وطلبت مني زيارتها في بيتها فذهبنا إليها ومكتوب على باب بيتها دارالسلام ، ووجدنا داخل بيتها و على الحوائط ملابس وأدوات الرقص التي كانت تستخدمها قديماً قبل هدايتها، وحينما سألتها عن ذلك قالت لي: إنها تذكرني بالماضي فأزداد تقرباً ودعاء لله وأدعوه أن يغفر لي ما سلف، وقد فرحت كثيراً حينما أهديتها من ماء زمزم التي اصطحبتها معي في رحلتي إلى اليابان.

اترك تعليق

Contact Us - تواصل معنا